تراجَع زوج GBP/USD بنحو 200 نقطة خلال الأيام القليلة الماضية، مسجّلًا حركة هبوطية شبه متواصلة. فمنذ أسبوع واحد فقط، دفع المشترون الزوج إلى قمة جديدة في شهرين عند مستوى 1.3557. إلا أنّ البائعين استعادوا السيطرة في اليوم التالي مباشرة، ودفعوا بالزوج هبوطًا نحو مستوى الدعم 1.3360 (وهو خط منتصف نطاقات Bollinger Bands على الرسم البياني اليومي، والمتطابق مع خط Kijun-sen). وتجدر الإشارة إلى أنّ تراجع الزوج لم يكن نتيجة تجدد قوة الدولار الأميركي بقدر ما كان بسبب ضعف الجنيه الإسترليني. وكان التعيين الأخير لـ Andy Burnham رئيسًا لوزراء المملكة المتحدة هو المحفّز الرئيسي لموجة البيع على الجنيه الإسترليني. وقد زادت بيانات سوق العمل والتضخم المختلطة من الضغوط على الزوج، الذي سجّل أمس قاعًا أسبوعيًّا جديدًا.
من وجهة نظري، لم يكن رد الفعل السلبي للجنيه ناتجًا عن تعيين Burnham في حد ذاته بقدر ما كان بسبب الرسائل التي التقطها السوق من أول تصريحاته بعد توليه المنصب. قبل ذلك، ظل المتداولون هادئين نسبيًا بل ومتفائلين – كما انعكس في وصول زوج GBP/USD إلى أعلى مستوى في شهرين – لأن أعضاء فريقه أكدوا مرارًا التزامهم بقواعد السياسة المالية القائمة. إلا أن خطابه بعد ذلك أصبح أقل وضوحًا وحسمًا.
على وجه الخصوص، أثارت قلق المشاركين في السوق تصريحاته بشأن احتمال وجود قدر من “المرونة” في تطبيق القواعد المالية للحكومة. ورغم أن Burnham لم يتخل رسميًا عن الإطار المالي الذي اعتمده سلفه، فإنه أوضح عزمه على استخدام كل ما هو متاح من مرونة مالية لتمويل البرامج ذات الأولوية. وقد فسّر المستثمرون ذلك بوصفه إشارة إلى أن الاقتراض الحكومي قد يتجاوز في النهاية التوقعات السابقة.
في أعقاب هذه التصريحات الملتبسة، ارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية بشكل حاد، بينما تعرض الجنيه لضغوط قوية.
اتضح أن المستثمرين بدأوا يُسعّرون مخاطر اتساع عجز الموازنة. فحتى قبل توليه المنصب، كان Burnham قد تعهّد بزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية، والبرامج الاجتماعية، ومشروعات البنية التحتية، والإجراءات الهادفة إلى خفض تكلفة المعيشة. وفي الوقت نفسه، شدد مرارًا على أنه لا توجد خطط لزيادات كبيرة في الضرائب. وهذا أثار بطبيعة الحال سؤالًا مهمًا: كيف سيتم تمويل هذه المبادرات؟ الإجابة الأكثر وضوحًا هي من خلال زيادة الاقتراض الحكومي، مع ما يترتب على ذلك من تبعات، بما في ذلك زيادة المعروض من السندات الحكومية، وارتفاع عبء الدين، وتزايد المخاطر التي تهدد استدامة المالية العامة على المدى الطويل.
لا تزال ذكريات الاضطراب الذي شهده السوق بسبب “الموازنة المصغّرة” المثيرة للجدل التي طرحتها Liz Truss قبل أربع سنوات حاضرة في الأذهان. ونتيجة لذلك، أصبح المتداولون أكثر حساسية بكثير تجاه أي مؤشرات على زيادات في الإنفاق الحكومي غير الممولة.
بعبارة أخرى، كان السوق يتوقع من الحكومة الجديدة اتباع نهج شديد الحذر في البداية، خاصة وأن Burnham وفريقه طمأنوا المستثمرين في البداية إلى أن الإطار المالي القائم سيظل معمولًا به، وأن سياسة الموازنة ستبقى دون تغييرات جوهرية. غير أن Burnham تحدث في أول خطاب له كرئيس للوزراء عن تقديم دعم إضافي للاقتصاد والاستفادة من المرونة المالية. وكان ذلك وحده كافيًا لدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر المالية والبدء في تقليص المراكز الطويلة على الجنيه.
كما تعرض زوج GBP/USD لمزيد من الضغوط بفعل بيانات التضخم وسوق العمل البريطانية المتباينة الصادرة هذا الأسبوع.
فقد ظل معدل البطالة دون تغيير عند 4.9%، بينما استقر معدل نمو الأجور السنوي باستثناء العلاوات عند 3.4%، وهو أدنى مستوى منذ أواخر عام 2020. وكان لافتًا على وجه الخصوص تباطؤ نمو الأجور في القطاع الخاص إلى 2.9%، في إشارة إلى ضعف الضغوط التضخمية المحلية الأساسية. إضافة إلى ذلك، يواصل عدد الوظائف الشاغرة التراجع، في حين لا يزال أرباب العمل حذرين في ما يتعلق بتوظيف عمالة جديدة.
وتشكلت الصورة الأساسية للجنيه بشكل أكبر عبر تقرير التضخم الذي صدر في اليوم التالي. فقد تباطأ معدل التضخم الرئيسي CPI إلى 2.6% على أساس سنوي في يونيو، بعد أن ظل عند 2.8% خلال الشهرين السابقين، مقارنة بتوقعات السوق بانخفاضه إلى 2.7%. ويمثل ذلك أدنى معدل تضخم سنوي منذ مارس من العام الماضي. وكان لانخفاض أسعار الوقود والغذاء أكبر إسهام في هذا التباطؤ.
أما التضخم الأساسي Core CPI فبقي دون تغيير عند 2.6%، في حين تراجع تضخم قطاع الخدمات إلى 3.6%، مما يشير أيضًا إلى اعتدال تدريجي في الضغوط السعرية الأساسية.
بوجه عام، تمنح بيانات هذا الأسبوع بنك إنجلترا مساحة أوسع للحفاظ على نهجه القائم على “الترقب والانتظار”. فتباطؤ نمو الأجور يقلل من مخاطر موجات تضخمية ثانية، في حين أن بيانات CPI الأكثر اعتدالًا توحي بأن ذروة التضخم ربما باتت خلفنا بالفعل. ورغم استمرار مخاطر عودة الضغوط التضخمية بسبب ارتفاع أسعار النفط، فإن أحدث البيانات الاقتصادية أضعفت بشكل ملموس الحجة الداعية إلى تشديد إضافي في السياسة النقدية.
نتيجة لذلك، لا يزال التقييم المستقبلي لزوج GBP/USD يميل لصالح البائعين. ومع ذلك، ستصبح المراكز القصيرة أكثر جاذبية فقط إذا تمكن الدببة من دفع الزوج إلى ما دون مستوى الدعم 1.3360 (خط المنتصف لمؤشر Bollinger Bands على الرسم البياني اليومي، والذي يتطابق مع خط Kijun-sen). في تلك الحالة، سيكون الهدف الهابط التالي هو المستوى النفسي المهم عند 1.3300.